كشري حكايات روماني مكرم ٣

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

ساد البيت هدوء حذر بعدما أُغلق الباب بصمت ثقيل. جلستُ على طرف السرير في الظلام، ونبضات قلبي مترددة بين القلق والتفكير. كنت أعلم جيداً أن المواقف الصعبة لا تُحل بالهروب، لكن سيناريو الضغط العاطفي الذي تكرر كثيراً أصبح عبئاً يصعب تجاهله، حيث يُستخدم أحياناً لفرض وصاية غير مبررة على حياتنا الخاصة وإشعار كريم بالذنب الدائم.

مرّت ساعات الليل بطيئة. كنت أتساءل بصدق: هل سينجح هذا الأسلوب في التأثير على كريم؟ أم أن موقف عمه الحاسم وكلماته العاقلة ستكون هي البوصلة التي تضيء له طريق الحق والإنصاف؟ مع أذان الفجر، سمعت صوت المفتاح يدور في الباب بهدوء. نهضتُ بخطوات متزنة وخرجت إلى الصالة.

كان كريم يدخل متعباً، وملامح الإرهاق تكسو وجهه الواضح عليه شحوب السهر والتفكير. وقف عند العتبة يخلع حذاءه ببطء، وكأن على كتفيه جبلاً من الهموم. سألته بصوت هادئ ومنخفض، يخلو من أي عتاب: طمني يا كريم.. والدتك عاملة إيه دلوقتي؟ والدكتور قال إيه؟

رفع كريم رأسه ونظر إليّ بعينين تتنازعهما الحيرة والمرارة، وقال بنبرة آسفة: الدكتور قال إن ضغطها ارتفع نتيجة انفعال شديد.. أختي خافت لما لقيتها تعبانة. أمي التي أفنت حياتها لأجلنا كانت ممكن تتأثر صحتها بسبب مشادة بسيطة على أمور معيشية عادية!

شعرت برغبة في الدفاع عن نفسي، لكنني تمالكت أعضائي وقلت بثبات وهدوء: ألف سلامة عليها يا كريم، ربنا يعافيها ويحفظها. لكنك تعلم جيداً، ويعلم عمك أيضاً، أن الجوهر الحقيقي للمشكلة ليس في تفاصيل المواعين أو غيرها، بل في صعوبة قبول والدتك لفكرة استقلال بيتنا، وأن يكون لك رأي مستقل يحمي حياتنا الزوجية.

زعلت لأن ضغطها تأثر، أم زعلت لأن الحقيقة ظهرت في نصابها الصحيح؟ اقتراب مني خطوات، وكانت نبرته تحمل الكثير من الضغط النفسي: أنا زعلان لأنكِ لم تأتي معي للاطمئنان! أمي كانت متعبة وأنتِ بقيتِ هنا. أختي رأت أن حضورك كان سيسهم في تهدئة الأمور واحتواء الموقف كدليل على التقدير.

ابتسمتُ بهدوء وكرامة، وقلت له: التقدير والاحترام متبادلان يا كريم، ولا يُطلب إثباتهما عبر التنازل عن احترامي لنفسي. أنا مستعدة دائماً للاحترام الواجب، لكن ليس على حساب كرامتي أو إحساسي بأنني طرف غير مرغوب فيه في عائلتك.

لو كنت تبحث عن شريكة تقبل بأن تكون مهمشة، فأنت لم توفق في الاختيار. وقف كريم مشدوهًا أمام هذا الهدوء والثبات، فلم يعتاد مناقشة الأمور بهذه الطريقة الواعية. ثم قال بنبرة متعبة وحزمة: أنا لست مستعداً للمزيد من النقاش الآن، لكن أمي وضعت شرطاً لعودة الصفاء واستقرار بيتنا.

. وهي أن نقوم بزيارتها غداً، ونتجاوز الخلاف بحكمة، ليعود الهدوء إلى العائلة. سألته بتركيز وثبات: وما هو الشكل المناسب لهذا التجاوز في نظرها؟ قال بثقل وتردد: أن نذهب معاً، ونبادر بإنهاء هذا التوتر بالحسنى، لتبدأ صفحة جديدة.. وإلا، فلن تستطيع أمي تقبل استمرار الأمور بهذا الشكل.

أدركت حينها أننا أمام مفترق طرق حقيقي يتطلب قراراً ناضجاً ومدروساً. الجزء الثاني: قرار بناء الحدود في صباح اليوم التالي، جلستُ مع نفسي أزن الأمور بميزان العقل. أدركت أن الحياة الزوجية الناجحة لا تقوم على إلغاء أحد الطرفين، بل على تأسيس قواعد واضحة للاحترام المتبادل.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
مم

مطبخ سوبر مامتي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
70مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

حكايات زهره الربيع 1 روايات

حكايات زهره الربيع 1

جدتي كانت بتفضل خلفة الولاد و طول عمرها بتكر.هني انا وبنات عمي ،واما حست انها هتمو.ت جمعتن…

مطبخ سوبر مامتي 0.0 14 دقائق
حكايات زهره 2 روايات

حكايات زهره 2

وفاء قربت مني بذهول وهي ماسكة في كتفي:— "شاهد مين يا خلود؟! وسر إيه ده اللي يعرفه عن…

مطبخ سوبر مامتي 0.0 13 دقائق