الخاتم الألماظ حكايات رومانى مكرم 4 مرّت الأيام متثاقلة على الحاجة سعاد خلف أسوار الاحتجاز، حيث لم تجد ثياب العز ولا نفوذ الكلمة التي كانت تطعن بها الكرامات. كانت تجلس على الدكة الخشبية الباردة، تلتحف بالخزي وترتعد كلما سمعت وقع أقدام الحراس، مدركةً أن السجن لم يعد مجرد تهديد بعيد، بل واقعاً يطبق على أنفاسها.
أما عمر، فقد تحول إلى طيف رجل؛ يتنقل بين مكاتب المحامين وأبواب النيابة، يبيع ما بقي في محلاته من بضائع ليدفع أتعاب القضايا وليرجو الشفعاء، لكن دون جدوى. في تلك الأثناء، كانت نورا تعيش مرحلة جديدة من السكينة والشموخ.
لم تدع حادثة التلفيق تؤثر على شغفها المهني، بل زادتها إصراراً وثباتاً. تلقت دعماً كبيراً من إدارة شركتها، وتمت ترقيتها لتقود قطاع التصميمات الهندسية للمشاريع الكبرى، ليلمع اسمها في سوق العمل أكثر من أي وقت مضى.
لكن رغم هذا النجاح، كانت تعلم أن معركتها القضائية مع عمر وأمه لم تنتهِ بعد، وأن "الجولة السابعة" ستكون جولة حسم الحقوق واسترداد كل ذرة أمانة. صباح يوم الأحد، احتشدت القاعة الكبرى بمحكمة الأسرة بالعديد من الحاضرين؛ فقد أصبحت هذه القضية حديث العائلة والمنطقة بأسرها.
حضرت نورا برفقة شقيقها طارق، ترتدي ثوباً أنيقاً يعكس وقارها وثقتها، بينما حضر عمر مكبلاً بالهموم، وجلس بجواره شقيقتاه وهما تبكيان بحرقة. أما الحاجة سعاد، فقد تم جلبها من محبسها تحت حراسة مشددة لحضور جلسة النطق بالحكم في دعوى الطلاق والتمكين وقائمة المنقولات.
كانت العجوز تبدو شاحبة، وجهها انكمش وجسدها انحنى كأنما مرت عليه سنون عجاف، وغاب عن عينيها ذلك البريق المستبد الذي طالما أرهق نورا. صعد القاضي إلى المنصة، وساد الصمت أرجاء القاعة حتى كادت الأنفاس تتوقف.
بصرامة وعدل، بدأ القاضي بتلاوة أسباب الحكم، مبيناً حجم الضرر والتعسف والتزوير الذي تعرضت له الزوجة، مؤكداً أن الحياة الزوجية القائمة على سلب الأمانات والتلفيق هي حياة باطلة شرعاً وقانوناً. ثم نطق القاضي بالحكم الحاسم: * طلاق نورا من زوجها عمر طلقة بائنة للضرر.
* إلزام الزوج بأداء كافة مستحقاتها المالية من مؤخر صداق، ونفقة متعة ونفقة عدة بالكامل. * إلزام المدعى عليهما (عمر والحاجة سعاد) بتسليم كافة المنقولات الزوجية والمصوغات الذهبية المدونة في القائمة، أو دفع قيمتها المالية كاملة حسب سعر السوق الحالي.
* تمكين نورا من مسكن الزوجية كمستحقة، وإحالة ملف التزوير والبلاغ الكاذب إلى محكمة الجنايات لمتابعة محاكمة الحاجة سعاد والمقاول شريف. ضرب القاضي بالمطرقة، لينزل الحكم كالصاعقة على رأس عمر وأمه، بينما أغمضت نورا عينيها برهة، ورفعت رأسها إلى السماء وهي تتنفس الحرية العميقة، مشيدةً بعدالة الله التي لا تضيع عندها الأمانات.
عند رفع الجلسة، حاول عمر الاقتراب من نورا، والدموع تخنق حشرجته: * "مبروك يا نورا.. أخذتِ كل حاجة ودمرتيني أنا وأمي.. ارتحتِ دلوقتي؟"التفتت إليه نورا، وبكل هدوء وثبات، أخرجت من حقيبتها علبة قطيفة صغيرة، فتحتها ليظهر الخاتم الألماظ وهو يلمع تحت أضواء القاعة الدقيقة.
تنقلت بعينيها بين عمر وأمه القابعة خلف قضبان حاجز المتهمين، وقالت بصوت واضح نقي: * "أنا ما دمرتش حد يا عمر.. أنتم اللي دمرتم نفسكم بظلمكم وأطماعكم. الخاتم ده لما سرقته أمك، كانت فاكرة إنها أخذت قطعة ألماض وفلوس..
ما كانتش تعرف إنها أخذت جمرة نار هتفضل تحرق في كذبكم لحد ما تكشف أصلكم قدام الدنيا كلها."ثم التفتت للحاجة سعاد وتابعت: * "أنا تنازلت عن حق شقتي مش عايزة أدخلها تاني، وبسيبها لكم ذكريات لشؤم أفعالكم..



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.