كشري حكايات روماني مكرم ١

نُشر منذ يومين
حفظ
غلاف المقال

وقفتُ ببطء. لم أرد بنبرة حادة حتى لا أمنحهن الفرصة ليجعلوني أنا الخاطئة، لكنني نظرت لحماتي بثبات وقلت بصوت هادئ ومسموع: يا طنط، أنا معنديش مانع أساعد وحضرتك في مقام أمي، بس الأصول بتقول إننا كلنا نلم السفرة مع بعض، خصوصًا إن دي عزومة، وأنا مش جاية هنا امتحان علشان أثبت شطارتي.

هنا تغيرت ملامح حماتي تمامًا، واختفت الابتسامة الظاهرية ليحل محلها الغضب، وقالت وهي تضرب بكفها على الطاولة: أصول؟ إنتي جاية تعلميني الأصول في بيتي يا عروسة؟ بقى كلمة “ورّينا شطارتك” زعلتك؟ بدل ما تقولي حاضر وتكبري بيا قدام جوزك وأخواته؟

التفتت حماتي لكريم وقالت بنبرة عتاب حادة: شايف يا كريم؟ شايف مراتك من أولها بتتكلم إزاي وتتشرط في بيتي؟ أديك شايف بعينك، أنا طلبت منها حاجة عادية جداً بين الأهل، وهي بتعمل منها حكاية وتكسر كلامي قدام إخواتك!

كريم ارتبك تمامًا، ووجد نفسه في المنتصف بين أمه القوية التي لا تقبل الرفض، وبيني وأنا واقفة أنتظر منه موقفًا يثبت أنه رجلي وسندي. نظر لي بنبرة فيها رجاء وضغط في نفس الوقت وقال: خلاص يا حبيبتي، ما تقعديش تدققي على كل كلمة، قومي لمي الأطباق واغسلي المواعين وخلاص علشان اليوم يعدي ونروح مبسوطين، أمي مش قصدها حاجة وحشة.

كانت كلماته كأنها سطل ماء بارد أُهرق عليّ. نظرت إليه بصدمة أكبر من صدمتي في أمه. في تلك اللحظة، أدركت أن السكوت والاستسلام الآن سيعني أن هذا هو أسلوب حياتي القادم للأبد؛ أن أكون الطرف الذي يضحي ويسكت ليُرضي الجميع على حساب كرامته.

انحنيت وأخذت أطباقي من على السفرة دون أن أتكلم بكلمة واحدة، ودخلت بها إلى المطبخ. كان المطبخ ممتلئًا عن آخره، والدهون ملتصقة بالحلل، والريح ثقيلة. وقفت أمام الحوض، وشغلت الصنبور، وبدأت أغسل الأطباق ببطء شديد والدموع محبوسة في عيني، بينما كان صوت ضحكاتهن وأحاديثهن في الصالة يصل إليّ بوضوح، وكأن شيئًا لم يكن.

وفجأة، وأنا أمسك بأكبر حلة عدس في المطبخ أحاول تنظيفها، سمعت خطوات تقترب من باب المطبخ… الجزء الثالث: “نقطة التحول” التفتّ ببطء نحو باب المطبخ وأنا أحمل الحلة الثقيلة بين يدي، وكانت المظاهر كلها تشير إلى أن حماتي أو إحدى بنتيها دخلت لتقول كلمة حادة أخرى أو لتراقب طريقة تنظيفي للمواعين.

لكن المفاجأة كانت كريم؛ دخل المطبخ ببطء، وأغلق الباب خلفه نصف إغلاقة، ونظر إليّ بعينين مليئتين بالارتباك والشعور بالذنب. وقف بجانبي ينظر إلى كومة الحلل والأطباق المتراكمة، ثم مد يده وأخذ الحلة الثقيلة من يدي ووضعها في الحوض، وقال بصوت خفيض ونبرة مليئة بالتردد: هاتي عنك يا حبيبتي.

. أنا عارف إنك زعلانة، وما كانش ينفع أمي تقول كده قدام إخواتي، بس إنتي عارفة طبعها وحبها للنظام من أول يوم، مش عاوزين نعمل مشكلة في أول شهرين جواز. نظرت إليه بثبات ولم تدمع عيني، بل مسحت يدي بقطعة قماش قريبة وقلت له بصوت هادئ جداً لكنه يحمل وزناً ثقيلاً: كريم، المشكلة مش في غسيل الحلة ولا غسيل المواعين كلها، المواعين بتتغسل وتخلص في عشر دقائق، المشكلة إن أمك اختارت الأسلوب ده مخصوص قدام إخواتك علشان تكسر كلمة عروسة جديدة، وعشان تحط خطوط عريضة لحياتنا اللي جاية، وأنت بسكوتك ورجاءك ليا إني أعدي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
مم

مطبخ سوبر مامتي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
74مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

حكايات زهره الربيع 1 روايات

حكايات زهره الربيع 1

جدتي كانت بتفضل خلفة الولاد و طول عمرها بتكر.هني انا وبنات عمي ،واما حست انها هتمو.ت جمعتن…

مطبخ سوبر مامتي 0.0 14 دقائق
حكايات زهره 2 روايات

حكايات زهره 2

وفاء قربت مني بذهول وهي ماسكة في كتفي:— "شاهد مين يا خلود؟! وسر إيه ده اللي يعرفه عن…

مطبخ سوبر مامتي 0.0 13 دقائق