نزل كلام الشيخ عبد التواب علينا زي الصاعقة. إبراهيم مسك في دراعي بخوف لما شاف وشي اتغير، وحسام وقف في نص الصالة والتليفون على أذنه، وشه اتمسح منه الدم ونبرته اتخبطت: “بلاطة المطبخ؟! إيه يا شيخنا؟! إحنا صدقنا إن الكابوس ده انزاح وأهلها مشيوا والأمور اتهدت!
” رد الشيخ عبد التواب بصوت حاسم وهو بينهج في السكة: “يا حسام، شيماء لما حسّت إن أمره هيتكشف، ما اكتفتش اللي شربته لمراتك ولا الكيس اللي رمته عند الباب.. الست دي كانت ناوية على يمس الشقة والعمارة كلها!
أنا في الأسانسير طالعلك دلوقتي، افتحلي الباب فورًا.” خلال ثواني، كان الشيخ عبد التواب داخل علينا، وبإيده شنطة قماش بيضاء. دخل المطبخ رأسًا من غير ما يتكلم كلمة، ونزل على ركبه جنب تقاطع البلاط القريب من حوض المية. طلع من شنطته أجينة صغيرة وشاكوش، وبدأ يطرق على البلاطة بنظام.
. الصوت كان بيطلع مكتوم ومجوف، يثبت إن تحت البلاطة دي في فراغ مش طبيعي. أنا وحسام كنا واقفين على باب المطبخ، ماسكين في إيدين بعض . بضربتين قويتين، البلاطة اتفصلت. الشيخ رفعها ببطء شديد.. ودخان خفيف ريحته جدًا خرج من الحفرة الصغار!
تحت البلاطة كان في تجويف معفول بدقة، جواه علبة صفيح مصدية ومربوطة بسلك نحاس رفيع ملفوف حواليها عشرات المرات. الشيخ عبد التواب سمّى الله وقرأ آية الكرسي بصوت جهوري وهو بيمد إيده بمسكة قماش بيضاء عشان يرفع العلبة من غير ما يلمسها بإيده العارية.
حسام قرب منه وهو مش قادر يتنفس من الريحة: “إيه اللي جوة العلبة دي يا شيخنا؟” الشيخ عبد ‘.. الأذى الأولاني كان معمول عشان يكره مرتك في عيالها والمذاكرة، والتاني كان عشان يكرهك فيها ويجيب الط؟؟؟لاق..
أما اللي جوة العلبة دي، فده مدفون معمول بقماش من أثركم كلكم، وعظام حيوان ميت، وطلاسم بالد؟؟؟م المظلم.. مقصود بيه إن البيت ده يولع بنفسه أو يتقلب بكا......رثة صحية تخلص على الكل بالتدريج قبل ما تمشوا منه!
” أنا رجلّيا ما شالتنيش، قعدت على كرسي المطبخ وأنا بحط إيدي على بؤي عشان ما أصرخ؟؟؟ش. ابني الصغير.. حتى هدوم ابني الصغير أخدت منها! أي قلب ده؟! وأي غل يقود بني آدم إنه يفكر يؤذي طفل مالهوش أي ذنب في الدنيا؟!
الشيخ عبد التواب طلع أزازه مية مقرئ عليها قرآن ورقية شرعية مكثفة، وسكب المية جوة العلبة الصفيح على الطلاسم والقماش. أول ما المية لمست الكلام المكتوب بالدم، العلبة بدأت تطلع فوران وصوت فحيح زي صهد النار لما تنزل عليه المية، والريحة الكريهة بدأت تتلاشى بالتدريج وتحل محلها ريحة المية بالملح والسدر.
فضل الشيخ يقرأ سورة البقرة والمعوذتين وأذان الفجر بيأذن في الجامع اللي جنب العمارة. مع آخر تكبيرة للأذان، الصوت اللي طالع من العلبة سكت تمامًا، والتفحم اللي كان على الورق داب في المية وأصبح مالهوش أثر.
الشيخ مسح العرق اللي على جبهته والتفت لنا وقال بابتسامة ارتياح: “الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. الأذى ده كان معقود ومربوط بليلة الفجرية دي، ولو مكانش اتفك قبل ما الصبح يطلع، كان تأثيره هيسري في جسدكم كلكم.. ربنا نجاكم بفضله وكرمه، وعشان دعوة المظلوم مالهاش حجاب.
” حسام حضن الشيخ وهو بيبكي من قلب مكسور ومطمن في نفس الوقت، وأنا رفعت إيدي للسما وفضلت أحمد ربنا وأشكره إن ولادي وبيتي طلعوا من المحنة دي سالمين. مرت ثلاث أسابيع على الليلة دي.. البيت رجع فيه النور.
المذاكرة رجعت على الطبليّة في وسط الصالة، والضحكة اللي كانت غايبة أشهُر رجعت تنور وشوش الولاد. إبراهيم بقى يجيب درجات عالية ويحضنني ويقولي: “ربنا يخليكي لينا يا أحلى ماما في الدنيا.” وحسام بقى يرجع من شغله شايل الفرحة في عينيه، وكل ليلة نقرأ سورة البقرة مع بعض ونشكر ربنا على الستر.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.