مرت أيام في ترقب وشحن غير طبيعي، لحد ما جاء يوم الجلسة الفاصلة في المحكمة.. الجميع كان حاضر؛ أم شيماء قاعدة في الجانب التاني متغشية بسواد، وعينيها بتطلع شرار وحقد، وجنبها شيماء اللي كانت قاعدة زي الجثة الميتة، عينيها زايغة ومش مركزة في أي حاجة حولين منها.
القاضي بدأ الجلسة، ونادى على القضية.. أم شيماء وقفت وبدأت تبكي بدموع التماسيح وتصرخ قدام القاضي: “يا سيادة القاضي! أخدوا بنتي زهرة شبابها ودمروها! ضربوها لحد ما طيروا عقلها ورموها في الشارع وأخدوا عيالها منها! أنا بين إيدين العدالة عايزة حق بنتي وعايزة العيال!
” القاضي بص للورق بثبات، وبعدين بص للمحامي بتاعنا وقال: “دفاع المتهمين.. ردك إيه على الشهادة الطبية والادعاءات دي؟” المحامي بتاعنا وقف وقال بثقة: “يا سيادة القاضي.. إحنا بنقدم للعدالة التقرير الطبي الشرعي الصادر بناءً على قرار النيابة العامة، والتقرير بيؤكد إن الكدمات اللي في جسد الشاكية هي كدمات حديثة الصنع تم إحداثها بنفسها أو بمساعدة شخص آخر افتعالاً للقضية!
وبنقدم كمان شهادة الأطفال وأدلة بالصوت والصورة بتثبت إن الشاكية الأصلية (أم شيماء) هي المحرض الرئيسي على أعمال الدجل والشعوذة وتخريب الأسرة!” الأم المفتريّة أول ما سمعت كلمة “تقرير الطب الشرعي” و”شهادة الأطفال”، وشها أصفرّ وبدأت ، وصوتها اتلخبط: “كذب!
كله كذب وتزوير! العيال دول مضحوك عليهم ومتربيين على الكره!” في اللحظة دي، القاضي ضرب بالمطرقة على المكتب وقال بصرامة هزت القاعة: “سكون في القاعة!” التفت القاضي لشيماء اللي كانت قاعدة ساكتة، وقالها: “يا شيماء.. انتي سامعة الكلام ده؟ مين اللي عمل فيكي كده؟ جوزك وأهله ولا حد تاني؟
” وفجأة.. وفي لحظة مكانش حد يتوقعها خالص، شيماء قامت وقفت من مكانها ببطء، بصت لأمها بنظرة مرعبة مليانة غل وكره، وبعدها بصت للقاضي وقالت بصوت صريح وواضح خلى القاعة كلها تتسمر في مكانها: “أمي يا سيادة القاضي.. أمي هي اللي دمرت حياتي وخلتني أعمل كل ده!
” انخرطت القاعة في حالة من الذهول والهمس الهستيري، وض؟رب القاضي بمطرقته عدة مرات ليفرض الهدوء. أم شيماء اتنفضت من مكانها وصرخت : “انتِ اتجننتي يا بت؟! بتقولي إيه؟! سدوه عنيها! دي مش في وعيها!” خرجنا من المحكمة والشمس كانت ساطعة بشكل يدخل الدفء في القلوب.
أخو حسام حضن عياله وبكى بحرارة، ولأول مرة من شهور طويلة نشوف ابتسامة حقيقية على وشه، وكأن جبل ثقيل انزاح عن صدره. رجعت بيتي.. دخلت الصالة، وبصيت للطبليّة الصغيرة اللي في النص. افتكرت اليوم الأولاني خالص، لما كانت سلفتي واقفة وبتبصلي بنظرة الغيرة وتقولي “يا بختهم بيكي”.
حسيت إن كل لحظة رعب، وكل دمعة نازلة، وكل ليلة نمناها والمغص والخوف ياكل في أجسادنا.. كانت اختبار كبير من ربنا عشان ينقي بيتنا ويقوي العلقة بيني وبين جوزي وعيالي. حسام قرب مني، مسك إيدي وباسها قدام الولاد وقال: “سامحيني يا أم إبراهيم على كل لحظة شكيت فيها فيكي.
. إنتِ بركة البيت ده، وربنا حمانا بفضل صبرك ودعاكي.” ابتسمتله والدموع في عيني، وقعدنا كلنا حولين الطبليّة من تاني. فتحنا الكتب، وإبراهيم وإخواته بدأوا يقرأوا ويضحكوا معايا زي زمان وأحسن.
شغلنا سورة البقرة في البيت بصوت عالي يملأ كل أركانه بالس؟كينة والبركة، وعرفنا إن الحق لو اتأخر شوية، فالنصر في النهاية دايماً بيجي للقلوب النظيفة اللي بتتكل على ربنا.


النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.