طارق كمل : — أنا استأجرت شقة ثانية لأمي وشيرين بعيد عن العمارة، وأمي اقتنعت وعرفت غلطها، وحلفت مش هتدخل في حياتنا تاني نهائياً ولا تحط رجلها في بيتنا إلا بطلبك وإذنك. أنا بعت أمي وأختي الحدود اللي كان لازم تتبني من سنتين، وعرفت إن طاعتي لأمي مش معناها إني أظلم مراتي وأهين كرامتها.
ساد الصمت في الصالة، طارق رفع عينه في عيني وقالي بنبرة فيها رجاء وألم: — نادين.. أنا فضيت الشقة بإيدي عشان أثبتلك إني مستعد أبدأ معاكي من الصفر، على البلاط.. شقتنا ملكك، وكرامتك فوق رأسي ورأس أي حد في عيلتي. أنا غلطت وتوهمت، والدرس كان قاسي وأكل من صحتي وعمري.
. فهل فيه فرصة أصلح اللي هدمته، ولا الحساب بيننا اتقفل خلاص؟ الجزء السابع والأخير عم الصمت أرجاء الصالة، وكان صوت أنفاسي وأنفاس أبويا هو الوحيد اللي بيشق السكون. العرض اللي قدمه طارق مكنش سهل؛ الشقة اتكتبت باسمي، حدود صارمة مع أهله، اعتذار رسمي ورد اعتبار قدام الناس كلها، وتنازل كامل عن كل القضايا والادعاءات الباطلة.
طارق كان قاعد قبالي، وشه شاحب وعينيه مليانة انكسار ورجاء، مستني مني الكلمة اللي هتحدد مسار حياته وحياتي. أبويا بص للوثيقة اللي على الترابيزة، وبعدين بص لطارق وقال بصوت هادي ورزين: — اللي عملته ده يا طارق هو عين العقل، والرجوع للحق فضيلة.
إنت ردّيت كرامة بنتي، ونضفت اسمك واسم عيلتك من العيب والافتراء اللي كان هيوصمكم طول العمر. بس الشقة والفلوس عمرهم ما كانوا ثمن لكرامة بنتي، إحنا نادين عندنا بالدنيا، وما يشتريهاش عقار ولا عقد. القرار في الأول والأخر يرجع لنادين نفسها، هي صاحب الشأن وهي اللي تقرر تقدر تكمل مع راجل سابها للرياح في أول اختبار، ولا الصفحة دي انطوت خلاص.
أنا قمت وقفت من مكاني، قربت من الترابيزة، ومسكت عقد الملكية اللي كتبه باسمي.. وبعدين حطيته قدامه بهدوء. بصيت لطارق بثبات وقوة حسيت بيها لأول مرة في حياتي، وقلت له بصوت واضح وواثق: — طارق.. الشقة دي أنا مش عايزاها، ومش هقبل أخد حاجة مش من شقايا.
إحساسي بالأمان معاك اتهز، والأمان بالنسبة للست أهم مليون مرة من الشقق والعقارات والفلوس. إنت لما اتخليت عني وسيبت أهلك يدوسوا على كرامتي ويشوهوا سمعتي، قتلت جوايا حاجة حلوة كانت بتجمعنا. طارق اتنفض من مكانه ودموعه نزلت: — نادين! أنا اتعلمت الدرس، والله العظيم اتعلمت!
أقسم بالله ما حد هيقدر يمس طرفك بكلمة بعد النهاردة! أنا وقفت لأمي وأختي وعرفتهم حدودهم، والبيت ده بيتك وإنتي الآمرة الناهية فيه! ابتسمت ابتسامة خفيفة، فيها وجع متغلف برضا، وقلت: — الدرس إنت اتعلمته يا طارق، وده شيء جميل عشان حياتك اللي جاية..
بس اتعلمته بعد ما الفأس وقعت في الرأس، بعد ما كرامتي اتذبحت على باب بيتي، وبعد ما شفت منك إنذار الطاعة وتهمة السرقة. نقط الدم اللي اتبرعت لك بيها في المستشفى كانت لوجه الله وتأدية أصل، وعشان أثبت لنفسي وللقلوب المريضة إن أهلي ربوني على الأصول والنظافة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.