عمي الصغير جرى فتح الشباك اللي يطل على الشارع، وشها ابيض من الرعب وصرخ:— "الحقنا يا خويا! رجال عيلة 'الشريف' ومحامينهم محاصرين البيت بره.. ومعاهم شرطة تنفيذ الأحكام!
"أبويا اتخض: "عيلة الشريف؟! عاوزين إيه مننا في وقت زي ده?!"خرجنا كلنا للحوش، والضابط دخل ومعه ورقة رسمية حمرا عليه أختام النسر، وبص لعمي الكبير ولنا وقال بصوت حاسم:— "مين المسؤول هنا؟ المرحومة حليمة ماتت؟"عمي الكبير قال برعب: "أيوه يا فندم.
. ماتت أمس."الضابط هز رأسه وطلع ملف ثاني خالص غير اللي كان مع المحامي الأولاني، وقال نبرة صدمت الجميع:— "المرحومة قبل ما تموت بشهر.. كانت بايعة الأرض والبيت بعقد ابتدائى ومستلمة العربون من كبار عيلة الشريف، والنهاردة جايين ينفذوا شرط جزائي يخليكم تسلموا البيت والأرض فوراً أو تدفعوا شرط جزائي يكسر ظهر العيلة كلها.
. والمفاجأة إن العقد ده موثق بتوقيعكم أنتم التلاتة يا رجالة العيلة بصفتكم ضامنين!"بصيت لعمامي اللي وشهم بقى زي جثث الموتى.. جدتي ما كانتش بتلعب علينا إحنا بس.. دي كانت جارة أولادها ورجاليتها معاها للغرق المالي والجنائي قبل ما تسيب الدنيا!
الشرطة واقفة في الحوش، والورقة الحمرا بختم النسر بتلمع تحت شمس النهار. عمي الكبير وعمي الصغير كانوا واقفين زي التماثيل، وشهم اتقلب لقطعة من الثلج، وعينيهم رايحة جاية بين الضابط وبين أبويا اللي رجليه ما بقتش شايلة جسمه. الضابط بصلهم بصرامة وقال:— "الورق صريح يا حاج.
. المرحومة حليمة استلمت عربون اتنين مليون جنيه كاش من عيلة الشريف، والشرط الجزائي أربعة مليون يدفعوا فوراً أو يتم التحفظ على الأرض والبيت والتنفيذ بالتمكين! والتوقيعات اللي تحت بصفتكم ضامنين موثقة بصمة وصوت وصورة!"عمي الصغير صرخ بصوت جنوني وهو بيمسك في ياقة الضابط:— "توقيع إيه وبصمة إيه؟
! إحنا ما مضيناش على حاجة! الست دي كانت بتخلينا نبصم على أوراق المحاصيل والمواشي من غير ما نقرأ! كانت بتقولنا دي أوراق الجمعية الزراعية! هي عملت فينا كده؟! شربتنا المُر وهي عايشة وتغرقنا في الديون بعد ما ماتت?!
"الضابط زق إيد عمي ببرود وقال:— "القانون لا يحمي المغفلين يا حاج. قدامكم 48 ساعة فقط، يا تدفعوا الشرط الجزائي والعربون، يا تفضوا البيت والمزرعة وسلموا المفاتيح رسمياً."رجالة عيلة الشريف كانوا واقفين بره السور، عينيهم فيها تشفي وانتصار قديم.
حريق مزرعتهم من عشر سنين والسر اللي عاشوا يدوروا عليه، استغلوه عشان يكسروا كبرياء جدتي في آخر أيامها، واشتروا منها الوهم بعد ما ضغطوا عليها بالأوراق القديمة! جدتي كانت فاكرة إنها أذكى من الكل، بس في آخر أيامها وقعت في شر أعمالها، وحفرت الحفرة اللي غطست فيها العيلة كلها!
عمامتي قعدوا على أرض الحوش يلطموا زي الحريم، وأمي وداليا وشهد ووفاء واقفين يبكوا في زاوية الصالة. أبويا قرب مني، ودموعه نازلة على لحيته البيضا، مسك إيدي بقلة حيلة وقال بصوت مكسور يقطع القلب:— "سامحينا يا خلود.
. سامحينا يا بنتي. طول عمرنا فاكرين إننا بنحافظ على اسم العيلة وهيبتها لما نسمع كلامها، والتالي طلعنا بنبصم على بيع أجسادكم وخراب بيوتنا بأيدينا!
الست دي دمرتنا.. دمرت الحاضر والمستقبل!"بصيت لأبويا، والإحساس بالقهر اتغير لشيء تاني خالص.. اتغير لإصرار فولاذي. بصيت لبنات عمي التلاتة وقلت بصوت جهوري سمع الحوش كله:— "العيش الحاف اللي أكلناه على باب المطبخ وإحنا أطفال، والعصايا اللي نزلت على إيدينا.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.