كشري حكايات روماني مكرم ٢

نُشر منذ يوم
حفظ
غلاف المقال

تردد صدى صوت حماتي في أرجاء الشقة وهي تتحدث في الهاتف بنبرة باكية ومفتعلة، كانت تنادي على عم كريم “الحاج فتحي” وهو الكلمة المسموعة في العائلة والمسؤول عن حل أي خلاف. سمعتها تقول بمرارة: تعال شوف يا حاج فتحي ابن أخوك كريم عمل إيه فيا!

بقى يصرخ في وشي في بيتي عشان مرات العز عزته، ورفضت تنضف بعد الأكل وقالتلي مش جاية أخدم عندك! تعال لحق ابن أخوك قبل ما البيت يتهد. كانت كلماتها تعيد رسم الحقيقة بأسلوب يجعلني الظالمة وحماتي هي الضحية والمجني عليها.

التفتّ لكريم، فرأيت وجهه يتغير لونه بالكامل، وملامحه المترددة بدأت تتحول إلى خوف وشعور بالضغط. عمّه ليس مجرد قريب، بل هو الشخص الذي كان يرجع إليه كريم في كل أمور حياته بعد وفاة والده. نظر إليّ كريم بضيق واضح، ونبرته هادئة كأنها عتاب اتهامي: عجبك كده؟

أهو عمي جاي، وتكبر المسألة وتبقي إنتي السبب في إن العائلة كلها تتكلم علينا! ما كانش ممكن تعدي الكلمة وتغسلي المواعين وخلاص؟ كان جرى إيه يعني؟ قفزت إلى صدري نبرة القهر، فرددت بنفس الهدوء والصلابة: أنا ما عملتش حاجة غلط يا كريم.

أنا رفضت الإهانة ورفضت المبدأ، لكن إنت اللي سايب أمك وإخواتك يحرّفوا الكلام قدامك. لما عمك ييجي، أنا هقول الحقيقة زي ما حصلت بالضبط، مش هقبل أكون شماعة لأي حد. خرجنا من المطبخ إلى الصالة.

كانت حماتي تجلس على الكنبة الكبيرة وهي تمسح دموعها بمنديل، وسعاد ومها تقفان بجانبها يمسدان على كتفها بنظرات فيها الكثير من التأكيد على تمثيليتها. لم تمر سوى نصف ساعة حتى سمعنا جرس الباب. فتح كريم، ودخل الحاج فتحي بكل هيبته، يرتدي جلبابه ويمسك بعصاه.

كانت ملامحه حادة ورسمية، ودخل فوراً دون أن يلقي التحية بكامل أريحيتها. جلس الحاج فتحي ونظر إلى الجميع، ثم وجه نظره لي لكريم وقال بصوت جاف: إيه اللي بيحصل هنا؟ بقى يا كريم، كبِرت ونسيت إن أُمك هي اللي ربّت وكبّرت؟

أُمك تبكي وتتصل بيا في نص اليوم تقولي ابنك ومراته أهانوني؟ قبل أن ينطق كريم، قاطعت حماتي المشهد ونظرت للحاج فتحي وقالت: شايف يا حاج؟ أدي العروسة الجديدة اللي دخلناها بيتنا.. عزمتها وأكّلتها من خير بيتي، أول ما قلتلها قومي يا بنتي مساعدة خفيفة اغسلي المواعين وتنضفي، قالتلي أنا مش خدامة عندك، وابني وقف في وشي ودافع عنها وقاللي دي مش شغلتها!

في تلك اللحظة، نظرت للحاج فتحي بثبات، وقبل أن يتكلم كريم أو يبرر بالباطل، رفعت رأسي وقلت بصوت واثق ومسموع للجميع: يا حاج فتحي.. حضرتك راجل حقاني والأصول عندك قبل أي شيء، وعشان كده أنا هقول لحضرتك اللي حصل بالحرف، وربنا شاهد على كلامي… “مواجهة الكبار” صمت الجميع في الصالة كأن على رؤوسهم الطير، وتوجهت كل الأبصار نحوي.

ألقى الحاج فتحي نظرة ثاقبة إليّ، ثم نظر إلى كريم وإلى أخته المحبوسة دموعها، وهز رأسه ببطء وقال بصوت جهوري يحمل مهابة الكبار: اتكلمي يا بنتي.. نسمع منك، الحق ما يزعلش حد، وأنا هنا عشان أسمع وأحكم بالعدل، لا أظلمك ولا أظلم أختي.

ساعد الكاتب بتقييمك

ما رأيك في هذا المقال؟

★★★★★
سجّل الدخول للتقييم 0 من 5 بناءً على 0 تقييمًا
✦ عضوية ناشر
مم

مطبخ سوبر مامتي ✦ ناشر

كاتب · EG

كاتب إخباري وقاصّ وروائي — أشارككم أهم الأخبار وأمتع القصص والروايات.
أكتب بشغف ما يستحق القراءة — تابعوني ليصلكم كل جديد.

عضو منذ 2026
70مقالًا 0متابع

النقاش

التعليقات والردود (0)

سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.

أكمل القراءة

الأكثر قراءة الان

حكايات زهره الربيع 1 روايات

حكايات زهره الربيع 1

جدتي كانت بتفضل خلفة الولاد و طول عمرها بتكر.هني انا وبنات عمي ،واما حست انها هتمو.ت جمعتن…

مطبخ سوبر مامتي 0.0 14 دقائق
حكايات زهره 2 روايات

حكايات زهره 2

وفاء قربت مني بذهول وهي ماسكة في كتفي:— "شاهد مين يا خلود؟! وسر إيه ده اللي يعرفه عن…

مطبخ سوبر مامتي 0.0 13 دقائق