أخذت نفسًا عميقًا، ونظرت في عين الحاج فتحي مباشرة، ممتنعة تمامًا عن النظر لحماتي أو لأختي كريم حتى لا أظهر بمظهر الضعيفة أو الارتباكة، وقلت: يا حاج فتحي، أنا أتربيت في بيت يعرف الأصول ويعرف احترام الكبير، وحضرتك عارف العائلات وأصولها كويس.
أنا دخلت الشقة دي النهارده بعزومة كريم وأمه، وكنت داخلة بحب واحترام، وقعدنا وأكلنا مع بعض والجو كان طيب. لكن أول ما خلصنا أكل، وطبعًا حضرتك عارف إن المطبخ ممتلئ بآثار الطعام والحلل الثقيلة، حماتي قالتلي قدام بناتها وبصوت عالي: “يلا يا عروسة قومي اغسلي المواعين واكنسي الشقة والسجاد عشان أشوف شطارتك”.
التفتُ برهة نحو بنتيها وقبل أن تنطقا، تابعت بثبات: بناتها الاثنين كانوا قاعدين في الصالة ماسكين الموبايلات، ولا واحدة فيهم قامت تشيل طبق من السفرة. لما لقيت الأسلوب أسلوب اختبار وإهانة متعمدة قدامهم، أنا ما قُلتش “أنا مش خدامة” زي ما طنط قالت لحضرتك، أنا قلت بكل أدب: “أنا معنديش مانع أساعد حضرتك في المطبخ، لكن الأصول إننا نلم السفرة كلنا مع بعض، وأنا مش داخلة امتحان عشان أثبت شطارتي”.
اتسعت عينا حماتي وقاطعتني بغضب شديد وهي تؤشر بيدها: كذابة! كذابة يا حاج فتحي! بتغزل الكلام وتطلّع نفسها بريئة! هي اللي اتنططت عليا وقالتلي أنا مش جاية أخدم، وابنك كسر كلمتي ووقف يغسل معاها في المطبخ عشان يربيني!
ردد الحاج فتحي بنبرة حازمة أوقفت حماتي عن الكلام فورًا: بس يا أم كريم! سيبياها تكمل كلامها، وأنا هعرف مين اللي صح ومين اللي غلط! تنفستُ الصعداء وواصلت كلامي متجهة بالحديث للحاج فتحي: ولما دخلت المطبخ ألم الأطباق عشان أعدي الموقف احترامًا لجوزي، كريم دخل ورايا بحسن نية وحب يساعدني، فطردته أمه واتهمته إنه مسحوب من إيده وإني كسرته، وبدأت التهديدات.
يا حاج فتحي، أنا عروسة بقالي شهرين بس، ومجهزة بيتي ومكملة نص دين جوزي، وجاية زيارة، فلما أتعامل كأني مفروضة عليّ الأوامر وبناتها قاعدات يتفرجوا ويبتسموا بسخرية، يبقى الأصول هي اللي اترميت ورا الظهر، ومش أنا اللي يتقال عليا قليلة الأدب أو بكسر كلام حد.
هنا ساد الصمت مرة أخرى، لكن هذه المرة كان صمتًا مختلفًا؛ صمت ثقيل يخيم على المكان. نظر الحاج فتحي إلى بنتي حماتي، سعاد ومها، وقال بحدة: الكلام ده حصل يا سعاد؟ أنتي ومها كنتوا قاعدين ومحدش فيكم قام يتزحزح من مكانه يلم السفرة مع أمه أو يمد إيده للعروسة؟
ارتبكت سعاد ونظرت للأرض، بينما حاولت مها الدفاع وقالت بصوت متلعثم: يا خالو.. إحنا راجعين من شغلنا ودراستنا تعبانين، وبعدين دي عروسة جديدة يعني عادي تورّينا نضافتها.. إيه المشكلة؟ ضرب الحاج فتحي عصاه بالأرض بقوة جعلت الجميع يرتجف، وقال بغضب عارم: المشكلة إنكم ما تربيتوش على الأصول!
أنتوا قاعدات في البيت زي الهوانم، وأختكم العروسة جاية زيارة وعزومة، تقوموا تصدروا الأوامر عليها وتفرّجوا الناس على بيتكم؟ ثم التفت إلى أخته (حماتي) ونظر إليها بنظرة مليئة بالعتاب الشديد وقال: عيب عليكِ يا أم كريم!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.