عيب تطلعي ابنك صغير قدام مراته، وتتصلي بيا في نص النهار وتبكي وتعملي حكاية عشان العروسة رفضت تنمحي بكرامتها الأرض! أنا افتكرت في مشكلة كبيرة، أثاري الموضوع إنك عاوزة تكسري نفسها من أول شهرين؟ شحب وجه حماتي تمامًا، ولم تتوقع أن يأخذ شقيقها الكبير موقفًا ناصعًا إلى هذا الحد.
تحولت من موقف الهجوم إلى موقف الضعف والانكسار المفتعل، لكن الحاج فتحي لم يترك لها مجالاً، بل التفت إلى كريم وقال بصوت عالٍ: وأنت يا كريم! أنت راجل البيت ده بعد أبوك الله يرحمه! ساكت ليه؟ واقف زي الشاهد اللي ما شافش حاجة؟
المفروض أنت من أول كلمة تصون كرامة بيتك وكرامة أُمك في نفس الوقت، مش تسيب الحبل عالغارب لحد ما أختك تتصل بيا وتكبر الشوشرة! وقف كريم مطأطأ الرأس، يشعر بخزي شديد أمام عمه وزوجته. أدرك في تلك اللحظة أنه بقعوده ومحاولته إرضاء أمه على حساب الحق، خسِر الهيبة أمام الاثنين.
وقف الحاج فتحي مستندًا على عصاه، وقال بنبرة نهائية لا تقبل التراجع: القعدة دي خلصت. كريم.. خد مراتك واطلعوا على بيتكم دلوقتي، وما شوفش رجلك هنا تاني إلا لما أختي دي تناديكم بحب وتعرف إن العروسة زيها زي بناتها، مش شغالة ولا جاية امتحان!
نظر إليّ الحاج فتحي وقال بنبرة أهدأ: حاسبي على بيتك يا بنتي، وأنتِ ليكي الحق في كل كلمة قلتيها، وأنا اللي ببعتلك اعتذار باسم العائلة كلها. خرجت من البيت وأنا مرفوعة الرأس، لكنني كنت أعلم جيدًا داخل نفسي أن المعركة لم تنتهِ هنا، بل كانت هذه هي الشرارة الأولى التي ستغير شكل علاقتي بكريم وبأهله إلى الأبد… “صمت ما بعد العاصفة” نزلت على السلالم وبجانبي كريم.
كان السكوت بيننا أثقل من الحجارة، خطواته بصلابة مكسورة ونظراته مثبتة على الأرض، بينما كنت أتنفس بصعوبة وأنا أحاول استيعاب ما حدث. بمجرد أن أُغلق باب الشارع خلفنا وركبنا السيارة، لم ينطق أحد منا بكلمة واحدة لمدة عشر دقائق كاملة.
كان صوت محرك السيارة هو الشيء الوحيد الذي يقطع هذا الصمت الخانق. كنت أراقبه من طرف عيني؛ فكه مشدود، ويداه تضغطان على عجلة القيادة بقوة حتى أبيضت مفاصِله. وفجأة، قبل أن نصل إلى بيتنا بعدة شوارع، أوقف كريم السيارة على جانب الطريق بغضب مكتوم، والتفت إليّ وعيناه مليئتان بالشرار والحرقة، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون بالاحتقان: ارتحتي كده؟
مبسوطة إنك خليتي عمي يهين أمي في بيتها ويقل من قيمتها قدام إخواتي؟ مبسوطة إنك طلعتيني صغير ومش راجل قدام العيلة كلها؟ نظرت إليه بذهول، لم أصدق أن كريم، بعد كل ما قيل من عمه وبعد اتضاح الحقيقة كاملة، ما زال يلومني أنا!
ردست على قلبي وقلت له بصوت هادئ ومباشر: كريم.. أنت بجد شايف إن أنا السبب؟ عمك ما أهانش أمك، عمك قال كلمة الحق اللي أنت كان المفروض تقولها من أول دقيقة! أمك هي اللي جابت عمك عشان تفضحني وتكسرني قدام العيلة، لكن ربنا أظهر الحق.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.