أخذت نورا حقيبتها وصندوقها الخشبي، ومشت بخطوات ملكية نحو الباب. وقبل أن تخرج، التفتت وقالت: * "المرة اللي فاتت أخذت خاتمي ورجعته.
. المرة دي أنتِ اللي أخذتي بيتي وسمعتي، والعقاب المرة دي مش هيبقى بيني وبينكم في الشقة.. العقاب هيبقى قدام القضاء وقدام العيلة كلها لما تعرفوا مين اللي بيبني ومين اللي بيهد!"أغلقت نورا الباب وراءها بحدة، تركت خلفها عمر يقف كالمشدوه بينما تساقطت الحاجة سعاد على الأريكة وهي تلهث من الخوف، بعد أن أدركت أن الحرب لم تنتهِ، بل أخذت للتو منحنى قانونياً وتجارياً سينسف العائلة بكاملها.
نزلت نورا على درجات السلم بخطوات متزنة وواثقة، تحمل حقيبتها في يد والصندوق الخشبي في اليد الأخرى. كانت ليلة مظلمة وباردة، لكن الحرارة التي تشتعل في صدرها كانت كفيلة بإذابة أي خوف. لم تتوجه إلى بيت أي من صديقاتها أو أقاربها كي لا تتلقى نظرات العطف أو الشفقة، بل اتجهت مباشرة إلى بيت شقيقها الأكبر "طارق"، المحامي المتمرس الذي طالما حذرها من الاندفاع في هذه الزيجة دون ضمانات كاملة.
عندما فتح طارق الباب ورأى أخته يقف أمام الباب في هذا الوقت من الليل وبيدها حقيبتها، فهم كل شيء دون أن تنطق بكلمة. دخلت نورا الصالة، وضعت الصندوق على الطاولة الخشبية، وجلست تنفس الصعداء.
سردت نورا لشقيقها كل ما حدث بالتفصيل الدقيق؛ بداية من سرقة الخاتم، مروراً بحادثة الشبكة وإرجاع الحق، وصولاً إلى اقتحام الحاجة سعاد لشقتها وتزوير الورق، ثم طرد عمر لها بالباطل.
كان طارق يستمع وهو يحتسي قهوته الصباحية، وعيناه تزدادان حزمة وتصميماً مع كل كلمة. عندما انتهت نورا، فتح طارق الصندوق الخشبي وقلّب في أوراقه، ثم ابتسم ابتسامة هادئة وقال: * "نورا.. الحاجة سعاد وابنها افتكروا إنهم بيحاربوا ست مكسورة ملهاش ظهر..
ما يعرفوش إنهم فتحوا على نفسهم أبواب جهنم القانونية. المستندات اللي في الصندوق ده مش بس تجيب لعمر وأمه قضايا تهرب ضريبي وتزوير في عقود ملكية، دي فيها عقود البيع الصورية اللي عمر عملها عشان يحرِم أعمامه من نصيبهم في تركة أبوه المتوفي!
"في هذه الأثناء، كان الحريق يلتهم بيت الحاجة سعاد. لم تنم العجوز ليلتها، وكانت تدور في الشقة كالمجنونة وهي تصرخ في وجه عمر: * "قوم يا خايب! قوم اتصرف! البت دي معاها العقود والأوراق اللي فيها رقبتك ورقبة عيلتك!
لو الأوراق دي وصلت لأعمامك ولد عمك مجدي المحامي، هيحجروا على المحلات والأرض ومش هنلاقي ناكل!"عمر كان يجلس على الكنبة، رأسه بين يديه، ينتابه شعور رهيب بالندم الخالق والضياع.
تسرعه وطيشه وانقاده الأعمى لكلام أمه أفقده زوجته الشريفة، ووضعه في مأزق يخسر فيه كل ثروته وسمعته. حاول الاتصال بنورا عشرات المرات، لكن هاتفها كان مغلقاً باستمرار. مع إشراقة صباح اليوم التالي، بدأت نورا وطارق تنفيذ الخطة القانونية الشاملة.
لم تكن الخطة تهدف إلى الانتقام الشخصي فقط، بل إلى إعادة الحقوق إلى أصحابها وتعرية الحاجة سعاد أمام الجميع.
الخطوة الأولى كانت إرسال "إنذار على يد محضر" للزوج عمر يتضمن طلب تمكين من شقة الزوجية، مع إثبات حالة باقتحام الشقة وسرقة متعلقات شخصية (دفتر المذكرات والأوراق الخاصة). وفي الوقت نفسه، قام طارق برفع دعوى قضائية للمطالبة بجميع مستحقات نورا المادية، بما فيها مؤخر الصدق وقيمة القائمة بالكامل، والمنتجات الذهب الخاصة بها.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.