الأفضل الأب يسيب البيت فترة مؤقتة عشان الولد يهدى ونعرف نوصل للسبب.” القرار ده كان زي السـ,ـكينة اللي اتغرست في قلبنا. أبوه أخد شنطة هدومه وخرج من بيته مكسور، أخد شقة صغيرة في العمارة اللي قبالنا عشان بس يلمحنا من البلكونة.
كان يرن عليا كل نص ساعة، ويطلب أفتح السبيكر عشان يسمع ضحكة ابنه أو نفسه من بعيد.. كنت بتقطع عليه وعلى ابني اللي بيضيع مني وأنا مش فاهمة حاجة. مرت الأيام والشهور والحال هو الحال.. لحد ما جيه يوم عيد ميلاد الولد.
يومها قلت لكل القرايب والضيوف اللي جايين الحفلة: “كل واحد يلبس قناع كرتوني على وشه، الحفلة هتبقى تنكرية للأطفال.” طبعاً أنا عملت كده عشان أبوه يقدر يدخل الحفلة بزي تنكري وقناع، ويحضر عيد ميلاد ابنه من غير ما الولد يعرفه ولا يخاف.
وفعلاً، أبوه جه وهو لابس قناع وشخصية كرتونية، وكان طاير من الفرحة.. مسك إيد ابنه، وشاله، وضمه لصدره بحسرة وحب، والولد كان فرحان وبيضحك وميعرفش إن الشخص اللي حاضنه ده هو نفسه أبوه اللي بيترعب منه! وبعد ما طفينا الشمع، جيه وقت فتح الهدايا.
الولد كان قاعد في النُص فرحان ومتحمس، وحواليه علب هدايا كتيرة جداً من كل الناس. بدأ يفتح علبة ورا علبة، ويضحك ويشكُر، لحد ما مسك علبة غريبة، متغلفة بتغليف فاخر، بس مفيش عليها ولا كارت ولا اسم ولا أي حاجة تقول دي بتاعة مين.
أنا استغربت وقلت في بالي: “دي بتاعة مين دي؟ أنا ماشفتش حد جاب العلبة دي بالتحديد!” الولد بدأ يفك الشريط ببطء، والكل واقف بيتفرج ومستني.. أول ما فتح الغطاء وبص جواه، الضحكة اختفت من على وشه انا وابوه اول ما شوفنا اللي فيها اتجمدنا والكل حوالينا كان مصدوم ومحدش قدر يستوعب البشاعة اللي كانت جواها… بدأ الولد يبعد العلبة عنه ببطء، ويديه الاثنين بيترعشوا بشكل هستيري.
العلبة كانت بطانتها من القطن الأسود، وفي وسطها، كان فيه مجسم صغير معمول بدقة مرعبة.. مجسم بالصلصال الحراري والتفاصيل الدقيقة لولدي وهو واصل لسريره، وجنبه مجسم تاني لشخص ملامحه مشوهة وممسوحة، ماسك في إيده سـ,ـكين صغير وجنبه تسجيل صوتي صغير زي اللي بيبقى جوه العرائس المتكلمة.
قبل ما حد ينا يلحق يتحرك أو يفهم في إيه، الولد من كتر الخوف صباعه ضغط بالغطاء على زار التسجيل الموجود جوه العلبة. صوت صفير واطي طلع من العلبة، وبعدها جه صوت همس مرعب، صوت راجل مخنوق ومغير نبرته، كان بيقول بالبطيء: “لو حد عرف السِر..
لو فكرت تقرب من أبوك أو تحضنه تاني.. هيحصل في أمك زي ما اتفقنا. أنت فاكر أنا أقدر أعمل إيه في أمك وأنت نايم؟ خليه يبعد عن البيت.. وإلا أمك مش هتشوف الشمس تاني.” المكان كله اتسحب منه الهواء.
الضيوف وقفوا زي الأصنام، الصدمة كانت قطعت لسان كل واحد واقف في الصالة. أنا حسيت بركبي بتتسحب من تحتيا، والولد اترعش بشكل كامل، ودموعه نزلوا في صمت رهيب من غير ما يطلع صوت.. عينيه كانت متثبتة عليا أنا، مش على العلبة، كان بيبصلي بصرخة مكتومة في عينيه، صرخة طفل بقاله سنة كاملة شايل هم مـ,ـوت أمه على كتافه الصغيرين وهو مش قادر ينطق بحرف!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.