في اللحظة دي، جوزي -اللي كان لابس القناع التنكري- صرخ صرخة وجع هزت الحيطان. شد القناع من على وشه ورمى القناع على الأرض وهو بيبكي وشهقاته مسموعة في الصالة كلها. الولد لما شاف وش أبوه تحت القناع، المرة دي مامرعش.
. المرة دي مانهربش! الولد رمى نفسه في حضـ,ـن أبوه واستخبى في صدره بقوة، وبدأ يصرخ بصوت عالي جداً كان بيطلّع بيه وجع سنة كاملة من الخوف والرعب: “بابا! أنا آسف يا بابا! أنا كنت خايف عليهم يقـ,ـتلو بابا.. قالي لو قربت منك هيقتـ,ـلوا ماما!
قالي لو اتكلمت هيجيلي وأنا نايم!” أبوه مسكه بكل قوته، ضمه لدرجة إنه كان هيدخله بين ضلوعه، وبيعيط بأعلى صوته وبيقوله: “سامحني يا ابني.. سامحني يا حبيبي، أنا الأسف.. حقك عليا، أنا فكرتك كرهتني.. أقسم بالله ما حد يقدر يمسكم ولا يلمس شعر منكم!
” الغموض اللي خنق حياتنا سنة كاملة انزاح في ثواني، بس حل مكانه كابوس أشد وأمر: مين اللي يعمل كده؟ مين الشخص اللي دخل بيت طبيعي، ووصل لأوضة طفل عنده سبع سنين، وهدده بأمه ولعّب في عقله بالطريقة البشعة دي؟
ومين اللي جاب العلبة دي بالتحديد في اليوم ده وحطها وسط هدايا عيد الميلاد من غير ما حد يحس؟ أنا وقفت وسط الصالة وجسمي كله بيلف. افتكرت الليلة اللي الحالة بدأت فيها من سنة.. الليلة اللي الولد كان قاعد بيلعب في الصالة، وأبوه فتح الباب بالكباس.
. الولد مكانش بيبص على باب الشقة لما أبوه دخل.. الولد كان بيبص على بلكونة الصالة! في اليوم ده، قبل ما جوزي يدخل بثواني، كان فيه حد جوة الشقة.. حد استغل إن أنا كنت في المطبخ، والتسلل للولد أو كلمة من البلكونة أو الشباك، وزرع في قلبه الرعب ده، وحذره إن لو جوزي دخل والأب قرب من الولد أو الولد حكى حاجة، الأُم هتتدفع التمن!
جوزي مسح دموعه بسرعة، وتحول ملامحه من الأب المكسور للراجل اللي مستعد يهد الدنيا. مسك العلبة بكتة حذرة، ونزل بص في كعب العلبة من تحت.. كان فيه كلمة واحدة مكتوبة بخط يد رفيع واسود: “سهلة أوي أدخل تاني.” أبوه وقف وقفل قبضة إيده لحد ما معاصمه ابيضت.
جه دكتور الأطفال اللي كان مدعو في الحفلة وقرب ببطء، وقال بنبرة حازمة: “يا أسعد، العلبة دي دليل جنائي. ممنوع حد يلمسها أكتر من كده، ولازم البصمات تتاخد. الطفل كان عايش تحت تهديد نفسي مباشر ومستمر، وده معناه إن المهدد كان قريب منه جداً وبيراقبه باستمرار عشان يضمن إنه يفضل ساكت.
” قريب منه؟ الكلمة دي نزلت عليا زي الصاعقة. مين قريب منا لدرجة إنه عارف تحركاتنا؟ عارف إن النهاردة عيد ميلاده؟ عارف ترتيب الهدايا لدرجة إنه يحط العلبة وسط الترابيزة والكل مشغول بالبلونات والتورتة؟ بصيت حوليا في الصالة.
. القرايب، الجيران، أصحاب جوزي في العمل، أختي وجوزها، العمارة كلها كانت موجودة في الحفلة. كل الوجوه اللي كانت بتضحك من شوية، بقت بالنسبة لي متهمين. كل نظرة شفقة كانت موجهة للولد، بقيت شايفاها نفاق أو مراقبة!



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.