وهنا، جوزي اللي كان ساكت ومكتوم من الصبح ومستحمل الوجع في قلبه، اتحرك. قرب من الطربيزة، مسك أكياس السكر وحطها جوة الشنطة مع أمي وأبويا، وبعدين لف لحماتي وبص لها في عينيها. كانت أول مرة أشوف جوزي بيبص لأمه بالنظرة دي، نظرة ابن اتكسر من أكتر حد كان مفروض يرفعه.
قال بصوت هادي، بس هدوءه كان يرعب أكتر من أي صريخ: — يا أمي.. أنا طول عمري شايلك فوق راسي، وبقول أمي ست كبيرة، ولو جت عليا وعلى مراتي أقول معلش يا سارة سامحي عشان خاطر الجنة تحت رجليها.
لكن إنك تستحلي شقى حمايا، وتستكتري اللقمة على عيالي، وتنزلي الشارع تفرجي عليا الحارة وتمرمغي كرامتي وكرامة مراتي في التراب عشان تكيدي فيها وتراضِي غيرها؟ لا يا أمي.. لحد هنا وخلاص. حماتي رفعت عينها بزهول: — إنت بتبيع أمك عشان مراتك يا محمد؟!
رد عليها بحرقة قلب: — أنا مبعتش أمي، إنتي اللي بعتيني برخيص يا حاجة.. صغرتيني قدام عمامي وإخواتي، وخليتي عيون الناس في الشارع تبص لمراتي بنظرة مش نظيفة، وإنتي عارفة إنها أشرف من الشرف ومبتغلطش فيكي.
من اللحظة دي يا أمي، سارة مالهاش دعوة بيكي، شقتي دي حيطة وسد مقفولة عليها وعلى عيالها، لا هتنزل تخدم ولا هتدخل شقتك تاني، واللي ليه عندي حاجة يجيلي أنا.. وكرامة مراتي لو اتهانت بكلمة تانية برة الباب ده، أنا اللي هسيب البيت كله بالعمارة ومش هتشوفوا وشي تاني!
الكلمة نزلت على حمايا وعلى الصالة كلها زي المرزبة. حمايا وقف وقال بصوت قاطع: — حقك عليا أنا يا حاج.. وحقك عليا إنتي يا بنتي في راسي من فوق. قرب حمايا وباس راس أبويا، وبص لي وقال: — إنتي بنتي، وغلطة أم رجب مردودة في رقبتي أنا.
. ومن بكرة اللي يفتح بقه بكلمة في الحارة دي لسانه هيتقطع، وسارة شقتها ملكها محدش يطلب منها قرش ولا خدمة، ومن النهاردة خزين شقتك يجيلك لغاية عندك من تحت إيدي أنا شخصياً.. امسحيها في وشي يا بنتي.
أبويا بص لحمايا وقال بنخوة: — إحنا مش بتوع خزين ولا بتوع سكر يا حاج إبراهيم، إحنا اللي يهمنا الستر والكرامة، واللقمة الحاف بعزة نفس تدفن في التراب كنوز مال الأرض لو وراها مذلة. بنتي هتروح معايا تقعد في بيت أبوها أسبوعين تشم نفسها وترتاح نفسيتها، ومحمد جوزها يجي ياخدها لما النفوس تهدى والكل يعرف مقامه.
جوزي مقالش لأ، هز راسه بالموافقة وهو باصص لي بعين كلها رجاء واعتذار: — خدي راحتك يا سارة.. اللي أنتي عايزاه هيتعمل، وبيت أبوكي على راسي من فوق. سلفتي هبة وقفت على جنب، وكانت بتبص لي وعينيها فيها دمعة ندم، بس في نفس الوقت ارتاحت إنها نطقت بالحق.
عديت جنبها وطبطبت على كتفها بالراحة، ومقلتش حاجة، نظرة عيني كانت كفاية إنها تفهم إني عرفت إنها مكنتش وحشة من جواها، لكن الخوف والفقر وسيطرة حماتي هما اللي كانوا كاسرين عينها. طلعت شقتي، لميت هدومي وهدوم عيالي في شنطة سفر صغيرة.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.