دموع وفاء وداليا وشهد اتجمدت في عينيهم، وأنا وقفت وراهم مباشرة، حسيت إن الكابوس ما انتهى بوفاتها.
. بالعكس، دي كانت مجرد بداية لعقدة جديدة سابتها لنا تحت الأرض!المحامي فتح الملف، وصوته الرخيم كسر الخوف اللي في الأوضة:— "المرحومة الحاجة حليمة، قبل أسبوعين، زارتني في المكتب ومعاها عقد بيع واستبدال رسمي للبيت الكبير وأرض الداير اللي حيلتكم كلها فيها.
. أرض الخمسين فدان!"عمي الكبير صرخ ونزل على ركبه:— "أرضنا؟! الخمسين فدان اللي شقينا فيهم عمرنا كله؟! باعتهم لمن؟!"المحامي كمل وهو بيبص لي بثبات مرعب:— "ما باعتهمش لغريب يا حاج.
. العقد بيقتضي بنقل ملكية الأراضي والبيت بالكامل لاسم جمعية كفالة الأيتام والذكور بالمركز، بشرط واحد صريح ومكتوب بخط إيدها وموثق!"أبويا مسك في درابزين الكنبة بذهول وقال:— "شرط إيه؟
! انطقي يا أستاذ الله يخليك!"المحامي بص على الورقة وقرأ بالنص:— "‘تؤول كافة ممتلكاتي العقارية والزراعية للجمعية المشار إليها، ويُحرم أبنائي الذكور الثلاثة وزوجاتهم وبناتهم من أي شبر أو قيراط..
إلا في حالة واحدة فقط: أن تتنازل البنات الأربع (خلود، وفاء، داليا، شهد) كتابةً وعن طيب خاطر عن كافة حقوقهن في أي إرث مستقبلي أو قائم، ويتم تزويجهن خلال ستة أشهر من تاريخ وفاتي لرجال يتم اختيارهم عن طريق مجلس العيلة اللي حددته في الملحق رقم (٢)، وفي حال رفض أي واحدة منهن، تُطرد العائلة بأكملها من البيت والأرض فورًا وتصادر الملكية للجمعية.
’"الصدمة كانت أكبر من قدرة أي حد فينا على الاستيعاب!عمي الصغير مسك في المحامي من ياقته وصرح فيه:— "أنت مجنون؟! يعني إيه نتطرد من بيوتنا؟! يعني إيه تجبر بناتي يتجوزوا ناس على مزاجها من بعد مو. تها؟
! الست دي كانت متجننة!"المحامي زق إيد عمي ببرود وقال:— "أنا مجرد منفذ للوصية يا حاج.. والأوراق سليمة ١٠٠٪، والمرحومة أرفقت مع العقد تقرير طبي صادر من لجنة ثلاثية بأهليتها القاطعة وإدراكها الكامل لجميع تصرفاتها القانونية قبل ما توقع بأسبوع واحد!
يعني مفيش أي ثغرة بالطعن على قواها العقلية!"في اللحظة دي، وفاء أغمى عليها وسقطت على الأرض، وداليا وشهد بقوا يصرخوا ويبكوا.
أمياتنا جراية يلحقوا وفاء، وأبويا بص لي بعيون مليانة انكسار وذل، عيون راجل أدرك إن أمه حطت رقبتهم كلهم تحت مقصلة مالهاش حل.. إما إننا نتباع وننفذ رغبتها الانتقامية ونلتزم بزواج إجباري بيمسح شخصياتنا، أو إن أهالينا يترموا في الشارع بدون شبر أرض يأكلوا منه عيش!
مشيت بخطوات ثابتة ووقفت قدام المحامي، أخذت منه الورقة وبصيت في الملحق رقم (٢)..قائمة بأسماء أربع أزواج!أسماء ناس من أعتى وأشد العائلات تعصبًا وقسوة في المراكز المجاورة.
. رجال معروفين بقسوتهم وضياع حقوق زوجاتهم تحت إيديهم! هي ما كانتش بس عاوزة تحرمنا من الإرث.. هي كانت بتضمن إن حياتنا تتحول لجحيم مستمر حتى بعد ما هي تسيب الدنيا!عمي الكبير قرب مني بقلة حيلة، نبرة صوته اتغيرت من الخوف إلى التوسل، ومسك إيدي وأنا حاسة بالتقزز:— "يا خلود يا بنتي.
. أنتم أملنا الوحيد! البيت هيتخرب.. عمامك وأبوكِ هينشردوا في الشوارع في آخر عمرهم! وافقوا يا بنتي على الشروط شكليًا لحد ما نلاقي حل قانوني.. ما ترموناش في الشارع!"بصيت لعمي، وبعدين بصيت لأبويا اللي كان موطي راسه في الأرض ومش قادر يبص في عيني.



النقاش
التعليقات والردود (0)
سجّل الدخول للمشاركة في النقاش. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يشارك رأيه.